
ليلة القدر وعشر الاواخر من رمضان وعرفة وعشر الاواخر من ذى الحجة مع د.القرضاوى /
برنامج الشريعة والحياة
الآيات والأحاديث الواردة في ليلة القدر كثيرة لكن هناك أيضاً أحاديث تتحدث عن العشر الأوائل من ذي الحجة وكثير من الناس كانت تسألني فيحتار الإنسان أيهما أفضل، هل هي العشر الأوائل من ذي الحجة التي فيها اليوم الأعظم يوم النحر، أم العشر الأواخر من رمضان؟
القرضاوي
عشر ذي الحجة هو فضل الأيام وعشر الأواخر من رمضان هو فضل الليالي، فتلك أيام ذي الحجة ولذلك الصيام فيها يعتبر من أفضل الصيام وخصوصاً صيام اليوم التاسع وهو يوم عرفة، ففضل أيام العشر الأوائل من ذي الحجة و فضل الليالي العشر الأخيرة من رمضان ولذلك قالوا أفضل يوم في السنة هو يوم عرفة وأفضل ليلة في السنة هي ليلة القدر فلا تعارض بينهما.
إلى أعلى
المقدم
للأسف نجد أن هذا الجو الروحاني ينتهي بانتهاء العشر الأواخر، فهل هذه ظاهرة صحية؟ القرضاوي
لا ليس ظاهرة صحية طبعاً، كان السلف يقولون "بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان"، "كن ربانياً ولا تكن رمضانياً"، فمن المعقول أن يضاعف الإنسان من نشاطه في رمضان كأي موسم، مثل مواسم التجار يترقبونها فيضاعفون فيها من جهدهم ونشاطهم التماساً لمزيد من الربح، إنما ليس معنى هذا أنهم يغلقون متاجرهم بعد هذه المواسم، فبعض الناس يشتغل في رمضان ويقبل على الطاعة وعلى قراءة القرآن ثم يبتعد عن كل هذا بعد انتهاء رمضان، نقول له من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، الله يحب أن يطاع في كل زمان ويكره أن يُعصى في كل أوان، فنحن نريد أن نتخذ من رمضان شحنة مثل شحن البطارية الفارغة فنحن نشحن هذه البطارية في رمضان حتى تنفعنا في باقي الشهور، فنتخذ في هذا الشهر زاداً ينفعنا في الأحد عشر شهراً الباقية، هذا هو المطلوب من المسلم في هذا الشهر الكريم.
إلى أعلى
المقدم
ما هي أحسن طريقة للاستفادة من هذه العشر الأواخر، هل هناك عبادات محددة يمكن للإنسان أن يتقرب بها؟
القرضاوي
المستحب هو قيام الليل، فأول ما يطلب من المسلم أن يصلي صلاة مطمئنة خاشعة صلاة التراويح، وبعض الناس تزيد على ذلك ما يسمونه القيام، لا مانع من صلاة القيام، وإن لم يكن يعرف عن السلف أنهم كانوا يصلون صلاتين، إنما على كل حالة الصلاة خير عبادة، فالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله مثل التسبيح والتهليل والتكبير مثل (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله) والاستغفار والدعاء والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك أيضاً فعل الخيرات.
إلى أعلى
المقدم
وصلني سؤال بالفاكس يقول لماذا ليلة القدر خير من ألف شهر تحديداً حيث أن ألف شهر تعادل تقريباً ثلاثة وثمانون سنة؟
القرضاوي
الله تعالى ذكر في فضل هذه الليلة في كتابه الكريم قال (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر)، ومعنى هذا أنها ليلة واحدة أفضل من ثلاثين ألف ليلة فالشهر ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون أي ما يقرب من ثلاثين ألف ليلة، وإذا قدرنا هذه الشهور الألف نجدها كما ذكر الأخ ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر، معنى هذا أن هذه الليلة تساوي عمراً طويلاً وليس عمراً عادياً، والعرب كانوا يقولون كما في قوله زهير بن أبي سلمى في معلقته الشهيرة
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً لا أب لك يسأم
والرجل الآخر يقول
إن الثمانين وبُلِّغتها قد
أحوجت سمعي إلى ترجمان
فهذه ليست ثمانين فقط إنما هي ثلاثة وثمانين وأربعة أشهر ثم أنه لو أن أحداً عاش ثمانين سنة تجد أن بها خمسة عشر سنة قبل البلوغ فتجدها صارت خمسة وستون، فمعناها أن ليلة واحدة يستطيع الإنسان أن يصنع فيها عمراً كاملاً وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على هذه الأمة وهذا من فضل القرآن أيضاً، ففضل هذه الليلة بسبب أن القرآن أنزل فيها، فهذا يدلنا على فضل الأمة وفضل الله عليها وعلى فضل القرآن وأثره في حياة هذه الأمة أن الإنسان بليلة واحدة يستطيع أن يضيف إلى رصيده عمراً طويلاً حوالي مائة سنة تقريباً.
المقدم
ألم يرد بعض الآثار في سبب تحديد هذه الألف شهر؟
القرضاوي
هناك أثر يقول أن أحدهم عبد الله ألف شهر وكذا ولكنها لم تصح..
إلى أعلى
المقدم
لو عدنا إلى الأشكال المطلوبة من العبادة في رمضان قبل الدخول في الاعتكاف، هناك صلاة تنتشر في بلاد الشام يسمونها صلاة التسابيح يصلونها في العشر الأواخر، هل هي جزء من القيام وهل ورد فيها أثر؟
القرضاوي
الذي ورد في العشر الأواخر وما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة هو الصلاة العادية والقيام، "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد في رمضان ولا غير رمضان عن ثلاثة عشر ركعة والصحابة في عهد سيدنا عمر كما هو مشهور صلوا عشرين ركعة غير الشفع والوتر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب أن يؤمهم لأنهم كانوا يصلون جماعات متفرقة فجمعهم على إمام واحد بعد ما كان كل جماعة يصلون منفصلين فجمعهم ولما رآهم سيدنا عمر قال (نعمة البدعة هذه) أي جمع الناس، وفي عهد سيدنا عمر بن عبد العزيز يصلون ستة وثلاثون ركعة غير الشفع والوتر، فهذا كله يدلنا على أن الصلاة التي كانت تصلى هي الصلاة المعتادة هذه، فما ورد عن أحد من القرون الأولى أنهم كانوا يصلون هذه الصلاة التي تسمى صلاة التسابيح، صلاة التسابيح ورد فيها حديث، بعض الناس حسَّنه وبعض الناس صحَّحه وبعض الناس ضعَّفه وبعض الناس قال أنه موضوع مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وعدد من الناس ذكروا أن هذه الصلاة مخالفة للصلوات المعهودة ولا يمكن أن تثبت بمثل هذا الحديث الذي جاء عن سيدنا العباس وقال اعملها مرة في كل أسبوع فإن لم يكن فمرة كل شهر فإن لم يكن فمرة كل سنة فإن لم يكن فمرة في العمر، وأنا منذ القدم كنت أصليها ولما توسعت وجدت أنها صلاة غريبة ولم يكن يفعلها الصحابة ما ورد أن فعلها أحد من الصحابة، وأنا في قضايا العبادات عندي قاعدة مهمة وأنبه عليها دائماً، أن المفروض على المسلم أن يسعى إلى المتفق عليه لا إلى المختلف فيها، يعني إذا كانت الصلاة التي نصليها هذه سواء كانت عشرين ركعة أو حتى ستة وثلاثون كما كان أهل المدينة يصلون في زمن عمر بن عبدالعزيز أو ثمانية ركعات، هذا أمر لا يختلف المسلمون في مشروعيته وأن هذا جائز إما بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم أو بفعل الصحابة إنما هذه الصلاة بهذه الكيفية أن الشخص يقرأ الفاتحة ثم يقول (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) خمسة عشر مرة ثم يركع ويقول (سبحان ربي العظيم) عشر مرات، هذا ما ورد ولم يصح، فالذي أريده وأدعو إليه المسلمين أن يتمسكوا بالمتفق عليه وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بيقين.
إلى أعلى
مشاهد من السعودية
ما هي علامات ليلة القدر؟
القرضاوي
أولاً العلامات كلها بعد أن تنتهي الليلة، فالشمس تشرق بطريقة معينة، فتكون الليلة قد فاتت، إنما المهم أنه لا يوجد علامات نعلمها قبل أن تأتي هذه الليلة، ثم أن العلامات تختلف، فنحن على مستوى العالم هناك بلاد عندها صيف ونحن عندنا شتاء فهذا لا يحكم على العالم كله، فالأوفق والأحوط أن المسلم يحزم أمره ويستعد لإحياء الليالي العشر كلها إن شاء الله.
إلى أعلى
مشاهد من فرنسا
السؤال الأول، لو كان الإنسان يتصدق في كل يوم من العشر الأواخر من رمضان وقد وافق تصدقه في ليلة القدر فهل يتضاعف له هذا ألف شهر من التصدق؟
السؤال الثاني، أمي صائمة وأجريت لها عملية جراحية في القلب منذ خمس سنوات وهي مريضة بمرض السكر ولم ترد أن تفطر وألححنا عليها أن تفطر ولكنها قالت أريد أن أسمعها من فم الشيخ..
القرضاوي
نسأل الله أن يكتب لهذه الأم الطيبة الصالحة العافية ويعجل لها الشفاء، لا شك أن المريض من حقه أن يفطر والله تعالى يقول (ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) وإذا كان المرض مرضاً مزمناً فليس عليه عدة من أيام أخر فيفطر ويفدي عن كل يوم، وهذه رخصة من الله تبارك وتعالى وكما جاء في الحديث "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، إذا كان الصيام يضرها أو يزيد في ألمها أو يجعل الشفاء بطيئاً عليها أو تتقبله بمشقة وحرج فما كلفها الله هذا، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) تستطيع أن تفطر وتفدي وتطعم عن كل يوم مسكين (فمن تطوع خيراً فهو خير له) ولا حرج عليها في ذلك إن شاء الله.
المقدم
بالنسبة لسؤاله الأول، إذا تصدق وصادفت صدقته ليلة القدر فهل تضاعف له؟
القرضاوي
الكلام عن الليل لأنها ليلة قال (سلام هي حتى مطلع الفجر) فهي ليلة، فالمضاعفة في الليل (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر) ولذلك نحن قلنا أيام عشر ذي الحجة وليالي العشر الأواخر من رمضان فالفضل في الليل، ولذلك قلنا أنه من الأشياء التي ينبغي على الإنسان أن يعملها بجانب الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، هو فعل الخيرات والصدقات وأن يسعى في عمل الخير في هذه الليلة وفي ليلة القدر ما وجد إلى ذلك سبيلا.
المقدم
إذن ننصح الأخ أن يدفع الصدقة في الليل
القرضاوي
نعم .. ولكن في أي ليلة من الليالي العشر؟ على ذلك سيدفع في كل الليالي.
المقدم
وصلني فاكس من مشاهد من سوريا يقول، هل يشترط في الاعتكاف عدم النوم نهائياً في المسجد علماً بأننا ننام ونقوم أثناء اعتكافنا في العشر الأواخر من رمضان؟
القرضاوي
قبل أن أتكلم عن الاعتكاف، السيدة عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيت إن وافقت ليلة القدر يا رسول الله، ماذا أقول؟" قال لها: "قولي، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" فالدعاء في هذه الليلة مطلوب، أن يدعو الله سبحانه وتعالى وأول ما يسأله العفو أو العفو والعافية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة، بالنسبة للاعتكاف مشروع طوال السنة ولكنه أكثر ما يكون مشروعية واستحباباً في العشر الأواخر من رمضان والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان وكان نساؤه يشاركنه أحياناً في هذا الاعتكاف، والاعتكاف هو تفرغ مؤقت للعبادة، نحن في الدين الإسلامي ليس عندنا رهبانية، فالمسيحية عندهم ممكن أن ينقطع أحدهم عن الزواج وعن الحياة وعن الدنيا لا يعمل في الحياة ولا يستمتع بطيباتها ولا يتزوج من نسائها وهو الراهب ويعتبر المسيحي المثالي وكما قال الله تعالى (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) إنما عندنا لا رهبانية في الإسلام، بعض الصحابة عندما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم في التبتل منعهم ولم يأذن لهم، والعبادة عندنا لا تقتضي التفرغ، الله تعالى يقول في صلاة الجمعة (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) وسيدنا عمر عندما وجد جماعة قابعين في المسجد بعد صلاة الجمعة نهرهم وقال من أنتم، قالوا نحن متوكلون على الله قال "بل أنتم متأكلون لا متوكلون، لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، أما قرأتم قول الله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) قوموا.." وأخرجهم من المسجد، لأن العبادة في الإسلام لا تقتضي التفرغ، إنما شرع الإسلام هذا التفرغ المؤقت لمدة معينة، يخلو فيها الإنسان إلى الله ويترك هموم الدنيا ومشاغل الدنيا في هذه العشر أو جزء من العشر لمن لم يستطع أن يخلو العشر كلها، أو حتى بعض الناس من الممكن أن يكوناً موظفاً فبعض الأئمة أجازوا الاعتكاف اعتكافاً مشروطاً، فمن الممكن أن يذهب إلى عمله ويعود من عمله إلى المسجد، لأن من شرط الاعتكاف أن يكون في المسجد (وأنتم عاكفون في المساجد) ومادام هو معتكف في المسجد فيضطر إلى النوم في المسجد فهو لن يذهب إلى البيت لينام فهو مقيم ليله ونهاره في